الخطيب الشربيني
328
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
معصومة لا تجتمع على ضلالة ، وصفوفهم كصفوف الملائكة ، ولها فضائل كثيرة على سائر الأمم . منها : أنها أول من يدخل الجنة بعد الأنبياء عليهم السلام . ومنها : وضع الإصر ، وليلة القدر والجمعة ورمضان على أحد قولين ، ونظر الله تعالى إليهم ومغفرته لهم أول ليلة منه ، وطيب خلوف فم صائمه عنده تعالى ، واستغفار الملائكة عليهم السلام في ليله ونهاره ، وأمر الله تعالى الجنة أن تتزين لهم ، وردّ صدقاتهم إلى فقرائهم ، والغرة والتحجيل من أثر الوضوء ، وسلسلة الإسناد والحفظ عن ظهر قلب ، وأخذ العلم عن الأحداث والمشايخ . وكتابه صلّى اللّه عليه وسلم معجز محفوظ من التغيير والتبديل ، وأقيم بعده حجة على الناس ، ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت ، وشريعته مؤبدة ناسخة لغيرها من الشرائع ، وتطوعه قاعدا كقائم ، ويحرم رفع الصوت فوق صوته ، قال القرطبي : وكره بعضهم رفعه عند قبره صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا تبطل صلاة من خاطبه بالسلام ، وتجب إجابته في الصلاة ولو بالفعل ولا تبطل ، ويحرم نداؤه من وراء الحجرات ، ويحرم نداؤه باسمه كيا محمد صلّى اللّه عليه وسلم لا بكنيته كيا أبا القاسم ، ويحرم التكني بكنيته مطلقا . وقيل : مختص بزمنه . وقيل على من اسمه محمد ، وكان يتبرك ويستشفى ببوله ودمه وفضلاته النازلة من الدبر لا ترى بخلافها من القبل . والذي صوبه بعض المتأخرين طهارتها وهو الصواب ، وأولاد بناته ينسبون إليه . وأعطي جوامع الكلم . وكان يؤخذ عن الدنيا عند تلقي الوحي ولا يسقط عنه التكليف ، ورؤيته في النوم حق ، ولا يعمل بها فيما يتعلق بالأحكام لعدم ضبط النائم ، والكذب عمدا عليه كبيرة ، ولا يجوز الجنون على الأنبياء ولا الاحتلام ولا تأكل الأرض لحومهم . وفي هذا القدر كفاية . ومن أراد الزيادة على ذلك فعليه بكتب الخصائص ، فإن العلماء قد صنفوا في ذلك تصانيف ، وأنا أسأل الله تعالى من فضله وكرمه أن يشفعه فينا ويدخلنا معه الجنة ، ويفعل ذلك بأهلينا ومشايخنا وإخواننا ومحبينا ولا يحرمنا زيارته ولا رؤيته قبل الممات . ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا الأمر ما كان لغير المخصوص تام القدرة لمنع غيره من ذلك قال تعالى : قَدْ أي : أخبرناك بأن هذا أمر يخصك غيرهم لأناقد عَلِمْنا ما فَرَضْنا أي : قدرنا بعظمتنا عَلَيْهِمْ أي : على المؤمنين فِي أَزْواجِهِمْ أي : من شرائط العقد ، وأنهم لا تحل لهم امرأة بلفظ الهبة منها ، ولا بدون مهر ولا بدون ولي وشهود ، وهذا عام لجميع المؤمنين المتقدمين والمتأخرين وَ في ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من الإماء بشراء وغيره بأن تكون الأمة ممن تحل لمالكها كالكتابية بخلاف المجوسية والوثنية ، وأن تستبرأ قبل الوطء ، وقيل : المراد أن أحدا غيرك لا يملك رقبة بهبتها لنفسها منه فيكون أحق من سيدها . ولما فرغ من تعليل الدونية علل التخصيص لفا ونشرا مشوشا بقوله تعالى : لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ أي : ضيق في شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع المنكوحات وزدناك الواهبة ، فلكيلا متعلق بخالصة وما بينهما اعتراض ، ومن دون متعلق بخالصة كما تقول خلص من كذا وَكانَ اللَّهُ أي : المتصف بصفات الكمال أزلا وأبدا غَفُوراً رَحِيماً أي : بليغ الستر على عباده .